نخبة من الأكاديميين
815
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
فيحسب سرعة نقطة من الأرض في حال فرضية دورانها حول نفسها ، ويستنتج أنّ هذه السرعة الكبيرة لا يمكن ، الّا أنّ تُضافَ إلى الحركات الأخرى للأجسام الأرضية من الشرق إلى الغرب ، أو أن تُطرح منها . وهذا ما لا يتحقق ، لذلك ، من غير الممكن بالنسبة إليه أن تكون للأرض حركة دوران حول نفسها . لنلاحظ أخيراً أنّ البيروني يذكر في هذا المقطع أنّ فرضية دوران الأرض حول نفسها لا تغير شيئاً في إعداد الجداول الفلكية لتحديد مواقع النجوم في السماء ، كان عنده إذاً ، مفهوم واضح لما يعنيه نظام الإسناد ( أو نظام المرجعيّة أو الإحداثيّات ) المتحرك . يتّبع البيروني ، بشكل عام ، الخطة التالية عند معالجة مسألة محددة في علم الفلك : يعرض أوّلًا مبادئ عامة حول المسألة المطروحة ؛ ثم يعطي الحلول المختلفة التي اقترحها علماء الفلك الهنود وبطلميوس وعلماء الفلك العرب ، مع تحليل نقدي على أساس المبادئ العامة المبيّنة في البداية ، ثم يعرض ، عند الاقتضاء ، قائمة بالأرصاد السابقة الأكثر أهمية أو الأكثر تعبيراً عن الظاهرة موضوع الدرس ، بالإضافة إلى وصف لأرصاده الخاصة ؛ أخيراً يقرر اختيار أحد الحلول السابقة ، أو يقترح حلًا خاصاً به استناداً إلى كل ما سبق . لنأخذ كمثال على ذلك ، مسألة رؤية الهلال كما عُرضت في " القانون المسعودي " . [ البيروني - 3 ، ص 965 950 ] . يتناول الجزء السادس من هذا المؤلَّف حركة الشمس ، والجزء السابع يتناول حركة القمر ، ويعالج الجزء الثامن الظواهر القابلة للرصد ، الخاصة بالعلاقة بين حركة الشمس وحركة القمر ، أي مسألة كسوف أو خسوف أحد هذين " النيِّرين " ومسألة رؤية الهلال . الفصل الثالث عشر من الجزء الثامن مخصص للسَحَر والغَسَق ، ويتضمن شرحاً لهاتين الظاهرتين كنتيجة لاقتراب الأفق من حد مخروط ظل الأرض الذي تحدثه الشمس ، ويقول البيروني إنّ علماء الفلك - دون أن يورد أسماءهم - حدّدوا أنّ بداية السَحَر صباحاً من جهة الشرق ، أو نهاية الغَسَق مساءً من جهة الغرب ، تحصل عندما تُصبِحُ " قوس انحطاط الشمس تحت الأفق " مُساوية ل - 17 أو 18 درجة ، ولا يختار البيروني أيّة واحدة من هاتين القيمتين . ويعالج الفصل الرابع عشر مسألة رؤية الهلال . المبادئ العامّة : ترتبط القدرة البَصَريّة على رؤية الهلال بعدة عوامل هي : أوّلًا ، المسافة الزاوية من القمر إلى الشمس التي تحدد القسم المضاء منه ؛ ثانياً ، المسافة بين الأرض والقمر التي ترتبط بها الضيائية الظاهرة للقسم المضاء من القمر ؛ ثالثاً ، ضيائية الجو على الأفق المرتبطة بميل فلك البروج على الأفق ، أي بموضع الشمس على فلك البروج وبخط عرض المكان في آن واحد ؛ رابعاً ، المسافة بين موقع غياب القمر على الأفق و " نقطة الأفق الأكثر إشراقاً " ، أي الخط العمودي لمكان الشمس تحت الأفق . يستنتج البيروني أنّ هذه الوسائط كلُّها يجب أخذها بدقة بعين الاعتبار . الحلول السابقة : لم يدرس بطلميوس هذه المسألة لأنّ موضوع رؤية الهلال لم يكْن مطروحاً أمامه في محيطه الثقافي ؛ وقد اعتمد أربعة من علماء الفلك العرب ممن سبقوا البيروني ، وهم الفرازي ويعقوب بن طارق والخوارزمي والنيريزي ، على طريقة هندية ، إذ أخذوا الفترة الفاصلة بين غروب الشمس وغياب القمر كمعيار لرؤية الهلال ، الّا أنّ هذا المعيار غير صالح لأنّه لا يسمح بأخذ ميل فلك البروج